ابو جعفر محمد جواد الخراساني
352
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
بل وحدة الصانع والمدبّر * فرضيّة ، مقبولة ، للمنكر وإنّما التشكيك للزّنادقة * ثمّ الحكيم بثّه ونمّقه فصار غامضا لمن قد وصفه * دليله إذ تبعوا الفلاسفة في شرط كونه هنا عقليّا * ممتنعا خلافه جليّا بل وحده الصانع والمدبّر للعالم ، فرضيّة اى على وجه الفرض ؛ يعنى ، على فرض وجود الصانع ، مقبولة ، للمنكر الجاحد له أيضا ، مثل الدهري والطبيعي ، فإنّهما مع انكارهما للصانع ، لا ينكران وحدته على فرض ثبوته ؛ ولذلك تريهما يسألان دائما عن الدليل على اثباته ، وبعد الأثبات لا يتأمّلان في وحدته . [ تسالم عقلاء البشر على التوحيد ] وحاصل هذا الكلام ، دعوى التسالم من عقلاء البشر على التوحيد ، حتّى من المنكر للصانع ، ما عدا الفرقة الثنوية . وكان مبنى هذا التسالم ، دلالة العقل من وحدة الصنع أو اتّصال النّظم على وحدة المدبّر ؛ كما يأتي تفصيلها في الأدلّة . فالعقلاء بفطرتهم السليمة قاضون بالتوحيد ، ولذلك تريهم متّفقين عليه ، وان كانوا ما بين مثبت للصانع الواقعي الحقيقي ، أو الاتّخاذي مكانه ، ومن شذّ عنهم كالثنويّة ، فإنّما فارقوا العقلاء للأوهام وشبهات حصلت لهم ، فليس لأحد ممّن عدا هؤلاء من المقرّين بالصانع ، اىّ صانع كان ، أو المنكرين له تشكيك في وحدته . وإنّما التشكيك فيها ، للزّنادقة المحدثة له ، ثمّ الحكيم بثّه ؛ اى بسطه ونمّقه ؛ اى زيّنه ، فانّ من شأن الحكيم بزعمه التدقيق والتحقيق ، فأراد ان يدقّق الإشكال أوّلا ، ثمّ يزيّفه فنمّقه بتدقيقه ، ثمّ لم يتخلّص منه بتحقيقه ، وكم من تدقيقات تقوى الشبهات وتزيدها ! مع انّ قضيّة التوحيد واثباته أبين من أن يحتاج إلى تكلّف وتعب أو تجشّم ونصب ، ولكن بالرّغم من ذلك أكثروا من الأوهام وزادوا في النقض والإبرام . فصار غامضا لمن قد وصفه ، واقرّ به ، دليله ؛ اى صار دليل التوحيد عليهم غامضا مع اعترافهم به وانّما وقعوا في ذلك ، إذ تبعوا وقلّدوا الفلاسفة في كيفيّة اعتبار الدليل في باب التوحيد ، فاعتبروا فيه تقليدا لهم امرين ، وقلدوهم في شرطين : أحدهما : في شرط كونه ؛ اى الدليل هنا ؛ اى في باب المعرفة مطلقا خصوصا في التوحيد عقليا لا شرعيّا ، لتقدّم المعرفة مطلقة على الشرع ، ولا عقلائيّا ؛ اى ما يرتضيه العقلاء من الحجّة ، لأنّ المعرفة من الأصول الأوليّة العقليّة .